العلامة المجلسي
196
بحار الأنوار
ثم إنهم يتجاحدون تجاحد المتكبرين ، ومهما اتضح الحق على لسان أحدهم أنف الاخر من قبوله ، ويتشمر بجحده ، ويحتال لدفعه ، بما يقدر عليه من التلبيس ، وذلك من أخلاق الكافرين والمنافقين ، إذ وصفهم الله تعالى فقال : " وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون " ( 1 ) وكذلك يحمل ذلك على الانفة من قبول الوعظ كما قال تعالى : " وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالاثم " ( 2 ) وتكبر إبليس من ذلك . فهذه آفة من آفات الكبر عظيمة ، ولذلك شرح رسول الله صلى الله عليه وآله الكبر بهاتين الأفتين إذ سأله ثابت بن قيس فقال : يا رسول الله صلى الله عليه وآله إني امرؤ حبب إلي من الجمال ما ترى أفمن الكبر هو ؟ فقال صلى الله عليه وآله : لا ولكن الكبر من بطر الحق وغمص الناس ، وفي حديث آخر من سفه الحق ، وقوله : " غمص الناس " أي ازدراهم واستحقرهم ، وهم عباد الله أمثاله ، وخير منه ، وهذه الآفة الأولى ، وقوله سفه الحق هو رده به وهذه الآفة الثانية . ثم اعلم أنه لا يتكبر إلا من استعظم نفسه ، ولا يستعظمها إلا وهو يعتقد لها صفة من صفات الكمال ، ومجامع ذلك يرجع إلى كمال ديني أو دنيوي والديني هو العلم والعمل ، والدنيوي هو النسب والجمال والقوة والمال وكثرة الأنصار . فهذه سبعة . الأول : العلم وما أسرع الكبر إلى العلماء ، ولذلك قال صلى الله عليه وآله : آفة العلم الخيلاء فهو يتعزز بعز العلم ، ويستعظم نفسه ، ويستحقر الناس وينظر إليهم نظره إلى البهايم ، ويتوقع منهم الاكرام والابتداء بالسلام ، ويستخدمهم ولا يعتني بشأنهم ، هذا فيما يتعلق بالدنيا وأما في الآخرة ، فبأن يرى نفسه عند الله أعلى وأفضل منهم ، فيخاف عليهم أكثر مما يخافه على نفسه ، ويرجو لنفسه أكثر مما يرجو لهم ، وهذا بأن يسمى جاهلا أولى من أن يسمى عالما ، بل العلم الحقيقي
--> ( 1 ) فصلت : 26 . ( 2 ) البقرة : 206 .